ابن قيم الجوزية
332
الروح
العفو والصفح فقال وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ « 1 » . فذكر المقامات الثلاثة العدل وأباحه والفضل ونذب إليه ، والظلم وحرمه . فإن قيل ، فكيف مدحهم على الانتصار والعفو وهما متنافيان . قيل : لم يمدحهم على الاستيفاء والانتقام وإنما مدحهم على الانتصار وهو القدرة والقوة على استيفاء حقهم ، فلما قدروا ندبهم إلى العفو . قال بعض السلف في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا ، فمدحهم على عفو بعد قدرة لا على عفو ذل وعجز ومهانة ، وهذا هو الكمال الذي مدح سبحانه به نفسه في قوله : وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وفي أثر معروف : حملة العرش أربعة اثنان يقولان : سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك ، واثنان يقولان سبحانك اللهم ربنا وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك . ولهذا قال المسيح صلوات اللّه وسلامه عليه : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ « 2 » ، أي إن غفرت لهم غفرت عن عزة وهي كمال القدرة وحكمة وهي كمال العلم فغفرت بعد أن علمت ما عملوا وأحاطت بهم قدرتك إذ المخلوق قد يغفر بعجزه عن الانتقام وجهله بحقيقة ما صدر من المسئ والعفو عن المخلوق ظاهره ضيم وذل وباطنه عز ومهانة . وانتقام ظاهره عز وباطنه ذل فما زاد اللّه بعفو الأعز ولا انتقم أحد لنفسه إلا ذلك ولو لم يكن إلا بفوات عز العفو . ولهذا ما انتقم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لنفسه قط ، وتأمل قوله سبحانه : هُمْ يَنْتَصِرُونَ كيف يفهم منه أن فيهم من القوة ما يكونون هم بها المنتصرين لأنفسهم لا أن غيرهم هو الذي ينصرهم . ولما كان الانتصار لا تقف النفوس فيه على حد العدل غالبا بل لا بدّ من المجاوزة شرع فيه سبحانه المماثلة والمساواة وحرم الزيادة وندب إلى العفو . والمقصود أن العفو من أخلاق النفس المطمئنة والذل من أخلاق الأمارة
--> ( 1 ) سورة الشورى ، الآية 40 . ( 2 ) سورة المائدة ، الآية 118 .